محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

603

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

كلمة لا إله إلا اللّه ، وإتمامها باقتران محمّد رسول اللّه بها ، وهو أعلى الكلمات الشخصية الخلقية ، ثمّ العمل بمواجبها من العبادات والمعاملات . فما لم تقترن كلمة النبوّة بكلمة التوحيد لم تتمّ كلمة التوحيد ، وما لم تقترن كلمة الإمامة بكلمة النبوّة ، لم تتمّ كلمة النبوّة ولمّا أتمّ إبراهيم - عليه السلام - كلمة التوحيد بكلمة النبوّة قال : إنّي جاعلك للناس إماما ؛ فتمام كلمة التوحيد بكلمة النبوّة ، وتمام كلمة النبوّة بكلمة الإمامة ، وشرط الإمامة أن لا يكون في وطن الظلم ، ومن لم يكن ظالما كان صادقا في أقواله ، عدلا في أفعاله ، محقّا في أفكاره ؛ وذلك هو عهد اللّه ووصيّته وأمره وقصّته . وسرّ آخر : أنّ آدم - عليه السلام - تلقّى من ربّه كلمات وأنّ إبراهيم - عليه السلام - ابتلي بكلمات ، ومن تلقّى كلمة فإتمامها بأدائها ، ومن ابتلي بكلمة فإتمامها بتشخيصها ؛ فكلّفه اللّه تعالى بالتصديق بكلمات اللّه قولا فوفّى بها ، أي سمعها وصدّق بها ، فاستقرّ وجودها في السمع ، ثمّ تولّى إتمامها بأن شخّصها فعلا ووفّاها شخصا شخصا حتّى رآها وصدّق بها ؛ فاستقرّ وجودها في البصر ، وتمّت كلمات اللّه صدقا في القول والسمع ، وعدلا في الفعل والبصر ؛ فاستحقّ بذلك أن يكون إماما للأمّة الحنيفية مبرء من الصبوة الجاهلية ؛ وكان آدم إمام الملائكة بقبول الكلمات وأدائها قولا ، وذلك تمامها ؛ وصار إبراهيم إمام الناس بتخصيص الكلمات وتشخيصها فعلا وذلك تمامها . وسرّ آخر : أنّ للّه تعالى كلمات تامّات في عالم الأمر وهي لا تتبدّل في عالم المفروغ ( 242 ب ) ، وله تعالى كلمات وجب إتمامها في عالم الخلق ، وهي تتبدّل لأنّها في عالم المستأنف ، وبقاء تلك الكلمات ودوامها بذواتها ، وبقاء هذه الكلمات ودوامها بتبدّل أمثالها ؛ فأوقع بصر الخليل على قدس تلك الكلمات حتّى رآها ، ثمّ ابتلى حتّى أتمّها في الأشخاص بالتركيب وأوقع بصره - عليه السلام - على طهارة هذه الكلمات حتّى حواها ، ثمّ ابتلى حتّى أتمّها في البسائط بالتجريد . فلمّا أبصر المفروغ في المستأنف والمستأنف في المفروغ قال تعالى : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً أي الإمام الحقّ من أبصر الكونين وحكم بالحكمين وقابل بين العالمين ، وذلك قاب قوسين ومجمع البحرين . قال إبراهيم : وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ . من أبصر أحد الكونين وحكم بأحد الحكمين ولم يقابل بين